أبي نعيم الأصبهاني

137

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

زواها عن أنبيائه وأحبائه اختبارا ، وبسطا لغيرهم اعتبارا واغترارا ؛ ويظن المغرور بها والمفتون عليها أنه إنما أكرمه بها ، ونسي ما صنع بمحمد المصطفى صلى اللّه عليه وسلم وموسى المختار عليه السلام بالكلام له وبمناجاته . « فأما محمد صلى اللّه عليه وسلم فشد الحجر على بطنه من الجوع ، » وأما موسى عليه السلام فرئي خضرة البقل من صفاق بطنه من هزاله ، ما سأل اللّه تعالى يوم أوى إلى الظل إلا طعاما يأكله من جوعه ولقد جاءت الروايات عنه أن اللّه تعالى أوحى إليه ؛ أن يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين ، وإذا رأيت الغنى قد أقبل فقل ذنب عجلت عقوبته . وإن شئت ثلثته بصاحب الروح والكلمة « 1 » ففي أمره عجيبة . كان يقول أدمى الجوع ، وشعارى الخوف ، ولباسى الصوف ، ودابتي رجلي ، وسراجى بالليل القمر ، وصلابتى في الشتاء الشمس ، وفاكهتى وريحانى ما أنبتت الأرض للسباع والأنعام . أبيت وليس لي شيء وليس أحد أغنى منى . ولو شئت ربعت بسليمان ابن داود عليهما السلام ، فليس دونهم في العجب . يأكل خبز الشعير في خاصته ويطعم أهله الخشكار والناس الدرمك « 2 » فإذا جنه الليل لبس المسوح وغل اليد إلى العنق وبات باكيا حتى يصبح ، يأكل الخشن من الطعام ويلبس الشعر من الثياب . كل هذا يبغضون ما أبغض اللّه عز وجل ، ويصغرون ما صغر اللّه تعالى ، ويزهدون فيما فيه زهد . ثم اقتص الصالحون بعد منهاجهم ، وأخذوا بآثارهم وألزموا الكد والعير « 3 » . وألطفوا التفكر ، وصبروا في مدة الأجل القصير ، عن متاع الغرور الذي إلى الفناء يصير ، ونظروا إلى آخر الدنيا ولم ينظروا إلى أولها ، ونظروا إلى عاقبة مرارتها ولم ينظروا إلى عاجلة حلاوتها ؛ ثم ألزموا أنفسهم الصبر أنزلوها من أنفسهم بمنزلة الميتة التي لا يحل الشبع منها إلا في حال الضرورة إليها ؛ فأكلوا منها بقدر ما يرد النفس ويقى

--> ( 1 ) يريد عيسى بن مريم سلام اللّه عليه . ( 2 ) الخشكار : ردئ الدقيق ، والدرمك : الدقيق الحوارى . ( 3 ) كذا في الأصل ولعلها العبر ( بالباء الموحدة ) .